جيرار جهامي ، سميح دغيم
1057
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
المادية المفسدة التي تؤذن بزوالها . هذا ما حصل لحضارات زاهية بادت تحت وطأة رذائلها النميمة التي نخرت بجسم أهلها . يبين هنا تمايز المجتمع الإنساني المتحضّر عن الاجتماع القبلي الوحشي ، حين يتمكّن أعضاؤه من الانفصال عن عالم العصبيات والاقتتال للعيش في كنف الديمقراطية المسالمة . وشرطا تبلور هذا المجتمع الحضاري يكمنان في ثقافته المتجدّدة ومدنيته الخلقية . لا شكّ أن الأديان قد تلعب دورها في نقل الإنسان من جاهليته وهمجيته لتؤهّله الخروج من لاوعيه الغرائزي ، لكن للفلسفات والعلوم والفنون دورها الفاعل في تطوّر مسلكه ونهجه الحياتيين وفي سبيل تحضّره قولا وفعلا ، جسدا وروحا ، نفسا ونفسية . ينتقد أنور الجندي هنا معنى الحضارة في المفهوم الغربي للمصطلح . وهو يرى أن مفهوم الحضارة في الفكر الإسلامي يختلف عن معناه الغربي الوافد ، من حيث أن الحضارة في الإسلام تعني ليس فقط التقدّم التقني والحداثة المؤسّساتية القائمة على العلمانية ، بل يشير إلى التقدّم التقني مرفقا بالتقدّم الثقافي القائم على تحضير النفس والأخلاق الإنسانية . إن انسياب معنى الحضارة في الغرب في ثنايا العلاقات الإنسانيّة وتدميرها للقيم والعلاقات الاجتماعية بين الأسرة والأمّة وبين الأبوّة والبنوّة ، وكسر الضوابط الإنسانية باسم الحرّية والديمقراطية ، كل ذلك يؤدّي حكما إلى الأنانيّة والنفعية والمصلحية الماديّة ، وهو أسلوب لا صلة له بالعلم ولا حاجة لنا إليه . ويتابع صبحي الصالح في هذا المنحى نقد الحضارة الغربية ، ويعتبرها كأنها أصبحت حضارة بلا إنسان . أما أنور عبد الملك فهو ينتقد المفهوم الذي أورده لالاند في قاموسه حول معنى الحضارة ومقابلته أو تضادّه مع مفهوم الهمجية ، ويعتبر أن الحضارة هي مجموع مركّب من الظواهر الاجتماعية القابلة للنقل في مجتمع معيّن أو مجتمعات متجانسة ومترابطة . إنها تبدأ من البنى التحتية لهذا المجتمع ، وتنتهي على مستوى البناء العلوي كالنظم الاجتماعية والسياسية والثقافية . تأتي جميعها نتيجة لتراكم كيفي ، وحصيلة لتطوّر تاريخي محدّد . يعتبر ناصيف نصّار أن مفهوم الحضارة هو أوسع وأشمل من مفهوم الكيان المجتمعي ، نظرا إلى أن الحضارة لا تؤسّس لكيان سياسي وليست لها أبعاد سياسية ، إلّا باعتبار أن تتحوّل أمم إلى دولة واحدة . والحضارة لها بنية خاصّة وعامّة تتميّز بهما ، وهما تظهران من خلال أشكال وأجهزة ترتكز الحياة عليها في تطوّرها . لا يعني ذلك أن للحضارة عمرا محدّدا ، ولا هي تخضع لحتميات معيّنة في التحوّل الاجتماعي . حضارة إسلامية * في التاريخ - الحضارة الإسلامية نوعان : النوع الأول - حضارة إسلامية أصيلة وتسمّى حضارة الخلق والإبداع وقد كان الإسلام مصدرها الوحيد ، وعرفها العالم لأول مرة عن طريق الإسلام .